[blogdescription]


✍️ د. ونيس المبروك
--------------------------------

في رواية "بلد العميان" لهربرت جورج ويلز، يحكي الكاتب قصّةَ مغامرٍ وجد نفسه في وادٍ معزولٍ، يسكنه قومٌ كلّهم عميان. وكان العمى قد أصاب أجدادَ أجدادهم، وتوارثوه جيلًا بعد جيلٍ؛ حتى إنهم لم يسمعوا يومًا بشيءٍ اسمه البصر!

وبحسب الرواية، كان البطل المُبصر يظنّ أن عينيه ستمنحانه ميزةً يتفوّق بها على سائر سكان الوادي؛ لكنّ المفاجأة المؤلمة كانت أن أهل الوادي رأوا الأمر على العكس تمامًا: كانوا يعتقدون أنه مريضٌ، وأن في وجهه تشوّهًا غريبًا، بل ظنّ بعضهم أنه مصابٌ في عقله؛ لأنه يحدّثهم عن الشمس والقمر والنجوم، وعن ألوان الأشجار وزُرقة السماء!
ثمّ قرّر أهل الوادي ـ بدافع الرحمة ـ أن علاجه يكون بعمليةٍ جراحيةٍ تُزال فيها عيناه؛ لأنهم رأوا أن هاتين العينين هما سبب اضطرابه ومرضه!

وكأنّ الرواية تريد أن تقول لنا: في بعض الأودية يكون العمى هو الصحّة، ويصبح الإبصار هو المرض الذي يستوجب الإقصاء، وربما الاستئصال!
وقبل أن يولد هربرت جورج ويلز بقرونٍ طويلةٍ، حدّثنا القرآن الكريم عن قومٍ يشبهون ـ من وجهٍ ـ أهلَ هذا الوادي؛ قومٍ لم يُفرض عليهم العمى، وإنّما اختاروا بمحض إرادتهم أن يكونوا عميانًا، بل "استحبّوا العمى"

قال تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَىٰ عَلَى الْهُدَىٰ﴾.

إنّها حقيقةٌ قرآنيّةٌ: فليس كلُّ مَن عاش في الظلامِ يبحث عن النور، وليس كلُّ مَن رأى الحقيقةَ أحبّها؛ بل هناك مَن رأى الحقيقةَ، وتيقّن منها، ثمّ جحد بها واستكبر عن قبولها؛

قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾.

وعلى المصلحين الصادقين اليوم أن يتعرّفوا على طبائع بعض النفوس التي لا تستطيع مقاومة لذّة الظلام؛ فهي تستحبّه على النور، وبخاصّةٍ إذا كان العمى أقلَّ مؤونةً من الإبصار؛ ذلك أنّ الإبصار يكلّف المرءَ مراجعةَ أفكاره، ومواجهةَ أخطائه، ومفارقةَ جموع العميان، بل يُكلّفه راحتَه وروحه !


Type your paragraph here

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *