

✍️ د. ونيس المبروك
كثيرًا ما تُبتلَى النساءُ بهذهِ النازلةِ في موسمِ الحجِّ، ولا سيَّما إذا أدركَهُنَّ الحيضُ قبلَ طوافِ الإفاضةِ، أو استمرَّ بهنَّ إلى موعدِ الرحيلِ عن مكَّةَ؛ ولذلك أرى أنْ يتوسَّعَ المفتونَ في النظرِ في هذهِ المسألةِ، بخاصَّةٍ في هذا العصرِ، وألَّا يتقيَّدوا بمعهودِ مذاهبِهم إذا تحقَّقتِ الحاجةُ، ووجدوا في أقوالِ أهلِ العلمِ المعتبرةِ ما يرفعُ الحرجَ، ويحفظُ أصلَ العبادةِ، ويوافقُ قواعدَ الشريعةِ في اليسرِ ورفعِ المشقَّةِ.
وهذا رأيي في المسالة :
مسألةُ طوافِ الحائضِ من المسائلِ المهمَّةِ التي اختلفتْ فيها الآراءُ، ويتجدَّدُ حولَها السؤالُ، والرأيُ المشهورُ هو منعُ الحائضِ من الطوافِ؛ لما رواهُ مسلمٌ في صحيحِهِ، ومالكٌ في الموطَّأِ، من حديثِ عائشةَ رضيَ اللهُ عنها أنَّها قالتْ: «افعلي ما يفعلُ الحاجُّ، غيرَ أنْ لا تطوفي بالبيتِ حتَّى تطهري». رواهُ مسلمٌ، بابُ بيانِ وجوهِ الإحرامِ، رقم: 1211، ومالكٌ في بابِ دخولِ الحائضِ مكَّةَ، رقم: 224.
وقد ناقشَ هذا الرأيَ طائفةٌ من الأئمَّةِ والفقهاءِ، ونقلَ ابنُ حزمٍ رحمهُ اللهُ ما يفيدُ مخالفةَ أمِّنا عائشةَ رضيَ اللهُ عنها لهذا المنعِ؛ فقد أذنتْ لامرأةٍ بالطوافِ وهيَ حائضٌ. روى ذلكَ ابنُ حزمٍ في المحلَّى، ج7، ص180.
وقالَ بالجوازِ للحاجةِ التابعيُّ الجليلُ عطاءُ بنُ أبي رباحٍ، وأباحَهُ للضرورةِ الإمامُ سحنونٌ من المالكيَّةِ، وصحَّحَ طوافَها الإمامُ أحمدُ في إحدى الرواياتِ عنهُ، والراجحُ عندَ أبي حنيفةَ أنَّ الطهارةَ واجبةٌ، وليستْ شرطًا لصحَّةِ الطوافِ.
ولعلَّ من أحسنِ من احتجَّ لجوازِ ذلكَ عندَ الاضطرارِ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ، وتلميذُهُ ابنُ القيِّمِ رحمهُما اللهُ. فبعدَ أن ذكرَ ابنُ تيميةَ وجوهَ فعلِ الحائضِ مع الطوافِ قالَ رحمهُ اللهُ:
«فإذا تبيَّنَ فسادُ هذهِ الأقسامِ الأربعةِ بقيَ الخامسُ: وهو أنَّها تفعلُ ما تقدرُ عليهِ، ويسقطُ عنها ما تعجزُ عنهُ، وهذا هو الذي تدلُّ عليهِ النصوصُ المتناولةُ لذلكَ، والأصولُ المشابهةُ لهُ، وليسَ في ذلكَ مخالفةٌ للأصولِ والنصوصِ التي تدلُّ على وجوبِ الطهارةِ…، وقد عُلِمَ أنَّ وجوبَ ذلكَ كلِّهِ مشروطٌ بالقدرةِ، كما قالَ تعالى: ﴿فاتَّقوا اللهَ ما استطعتمْ﴾، وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: «إذا أمرتُكم بأمرٍ فأتوا منهُ ما استطعتمْ».
انظر: مجموع الفتاوى لابنِ تيميةَ، ج26، ص234.
وقد ناقشَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ أدلَّةَ من قالَ بحرمةِ الطوافِ، ثمَّ قالَ:
«تطوفُ بالبيتِ والحالةُ هذهِ، وتكونُ هذهِ الضرورةُ مقتضيةً لدخولِ المسجدِ مع الحيضِ، والطوافِ معهُ، وليسَ في هذا ما يخالفُ قواعدَ الشريعةِ، بل يوافقُها كما تقدَّمَ؛ إذ غايتُهُ سقوطُ الواجبِ أو الشرطِ بالعجزِ عنهُ، ولا واجبَ في الشريعةِ مع عجزٍ، ولا حرامَ مع ضرورةٍ».
انظر: إعلام الموقِّعين لابنِ القيِّمِ، فصلٌ في تغيُّرِ الفتوى واختلافِها بحسبِ تغيُّرِ الأزمنةِ والأمكنةِ والأحوالِ والنيَّاتِ والعوائدِ، ج3، ص449.
والطهارةُ شرطٌ لصحَّةِ الصلاةِ، ولكنَّها تسقطُ مع العجزِ؛ فالطوافُ من هذا البابِ أولى.
وقالَ بعضُ أهلِ العلمِ: يغنيها طوافُ القدومِ؛ لأنَّهم رأوا أنَّ الواجبَ إنَّما هو طوافٌ واحدٌ. انظر: ابنُ رشدٍ، بداية المجتهد، ج5، ص381.
وقالَ القرطبيُّ رحمهُ اللهُ: «وأجمعَ مالكٌ وأصحابُهُ أنَّ من فعلَ في حجِّهِ شيئًا تطوَّعَ بهِ من عملِ الحجِّ، وذلكَ الشيءُ واجبٌ في الحجِّ قد جازَ وقتُهُ، فإنَّ تطوُّعَهُ ذلكَ يصيرُ للواجبِ، لا للتطوُّعِ».انظر: تفسير القرطبي، ج12، ص51.
ومن المخارجِ التي قالَ بها بعضُ الفقهاءِ إنابةُ غيرِها في الطوافِ، وحجَّتُهم في ذلكَ أنَّ الإنابةَ إذا أجزأتْ في جميعِ مناسكِ الحجِّ، ففي واحدٍ منها أولى.
وقد أجازتْ دارُ الإفتاءِ المصريَّةُ للمرأةِ التي عجزتْ عن الطوافِ بسببِ الحيضِ أنْ تنيبَ غيرَها.انظر: فتاوى دارِ الإفتاءِ المصريَّة، ج1، ص205، فتوى رقم: 1159.
وممَّن وسَّعَ الإفتاءَ في هذهِ النازلةِ صاحبُ حاشيةِ العدوي على شرحِ الخرشي؛ إذ قالَ: «والمناسبُ للملَّةِ الحنيفيَّةِ السمحةِ أنَّ المرأةَ لو حاضتْ قبلَ طوافِ الإفاضةِ، وإذا انتظرتِ الطهرَ تعذَّرَ عليها العودُ لبلدِها، أنَّها إمَّا أنْ تقلِّدَ ما رواهُ البصريونَ المالكيونَ عن مالكٍ: أنَّ من طافَ للقدومِ وسعى، ورجعَ لبلدِهِ قبلَ طوافِ الإفاضةِ جاهلًا أو ناسيًا، أجزأهُ عن طوافِ الإفاضةِ، وهو خلافُ ما رواهُ البغداديونَ عنهُ من عدمِ الإجزاءِ، وهو المذهبُ، ولا شكَّ أنَّ عذرَ الحائضِ والنفساءِ أشدُّ من عذرِ الجاهلِ. وإمَّا أبا حنيفةَ القائلَ بأنَّهُ يصحُّ الطوافُ من الحائضِ، ولا يشترطُ عندَهُ في الطوافِ طهارةُ الحدثِ والخبثِ، وكذا هو إحدى الروايتينِ عن أحمدَ بنِ حنبلٍ، ويلزمُها ذبحُ بدنةٍ، ويتمُّ حجُّها لصحَّةِ طوافِها، وإنْ كانتْ تأثمُ بدخولِ المسجدِ حائضًا».
انظر: شرح الخرشي على مختصرِ خليلٍ، مع حاشيةِ العدوي، بابُ أحكامِ الحجِّ والعمرةِ وأفعالِهما، ج2، ص343.
وقالَ الإمامُ القرافيُّ في الذخيرةِ: إنَّ الحائضَ لا تتأخَّرُ قافلتُها لأجلِها، ثمَّ قالَ:«وروى سحنونٌ أنَّها تطوفُ للخلافِ في اشتراطِ الطهارةِ في الطوافِ، ولأنَّهُ يستباحُ للضرورةِ، كقراءةِ القرآنِ للحائضِ لضرورةِ النسيانِ، وها هنا أعظمُ».انظر: الذخيرة للقرافيِّ، كتابُ الحجِّ، ج3، ص272.
وهذهِ التوسعةُ هيَ ما يوافقُ قواعدَ الشريعةِ في اليسرِ، ورفعِ الحرجِ، والتكليفِ بالمستطاعِ؛ ولهذا قالَ الصاويُّ في حاشيتِهِ على الشرحِ الصغيرِ:
«والأسهلُ في تلكَ المسألةِ تقليدُ أبي حنيفةَ وأحمدَ في صحَّةِ طوافِها بالحيضِ والنفاسِ».انظر: بلغة السالك لأقرب المسالك، المعروفُ بـ حاشيةِ الصاوي على الشرحِ الصغيرِ، ج1، ص283 .
وفي هذهِ النقولِ والتخريجاتِ الفقهيَّةِ — وغيرها من أقوالِ أهلِ العلمِ المعتبرةِ — ما يكفي لنفي وصفِ الشذوذِ عن القولِ بجوازِ طوافِ الحائضِ عندَ الحاجةِ، واللهُ أعلمُ وأحكمُ.
