[blogdescription]

✍️ د. وليد الحسيني


وصل النبي ﷺ في معراجه إلى ما لم يصله مخلوق، ورأى نور ربه بلا حجاب، وهذا اللقاء لم يتشرف به مخلوق قبله ولا بعده ..
ولا ريب أن هذا الأمر قدره جليل، وأمره خطير، يحكي عظمة مكانته ﷺ عند الخالق الأعظم.

ولكن الذي لفت نظري وأثار انتباهي هو أن النبي ﷺ حين رجع والتقى بأخيه موسى عليه السلام، وأخبره بأن الله تعالى فرض عليه خمسين صلاة في اليوم والليلة قال له موسى: (ارجِع إِلى ربك فاسأَله التخفيف لأمتك) رواه البخاري ومسلم

كيف لموسى عليه السلام أن يطلب من رسول الله ﷺ أن يرجع للقاء ربه ؟
وهل اللقاء مُتاح متى شاء رسول الله ؟ هذا اللقاء العظيم الذي لم يسبق له نظير مذ خُلقت الخليقة !!! هل ممكن أن يتكرر ؟ وبهذه السهولة ؟ ودون دعوة أخرى من الله تعالى ؟

الظاهر من كلام موسى عليه السلام، أن أهل السماء يَعلمون بأن النبي ﷺ مخول بالرجوع إلى الله تعالى متى شاء، أي أن له لقاءً مفتوحاً، وإلا لما قال موسى عليه السلام وبكل سهولة (ارجع إلى ربك) لولا علمه بأن الباب مفتوح لرسول الله ﷺ ..

وهذا ما حصل فقد رجع النبي ﷺ ، ثم قال له موسى نفس الكلام ورجع أيضا، وهكذا حتى صارت الخمسون صلاة خمسا، كما في حديث الصحيحين .

هاهنا تخضع القلوب والعقول مُسلمة مُستسلمة ..
هاهنا تقف المقامات، وتنتهي المنازل ..
هاهنا تتعطل من أهل الدراية المدارك، فلا تعلم ما هنالك، سوى إقرار بعظمة صاحب مقام العِِندية، حيث كان وما ثَمَّ ثالث..


عن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي ﷺ أنه قال: (مررت على موسى ليلة أُسري بي عند الكَثِيب الأحمر وهو قائم يصلي في قبره) رواه مسلم.

نتأمل في هذا الحديث المبارك أشياء عظيمة، منها:

1- أن حياة الانبياء في قبورهم ليست حياة برزخية كسائر الخلق، بل هي أسمى من ذلك، لأن الحياة البرزخية ليس فيها عمل، لقوله ﷺ : (إذا مات ابن آدم انقطع عمله ..) رواه مسلم
بينما سيدنا موسى عليه السلام لم ينقطع عمله بالموت، فهو يصلي في قبره.

2- كيف رأى رسول الله قبر موسى عليهما الصلاة والسلام ؟
علما أنه صلى الله عليه وسلم كان يطير في السماء على ظهر البراق، وقبر موسى في الارض، والآن من كان يطير في طائرة فإنه لا يكاد يميز شيئا في الأرض، وليس على قبر موسى بناء او دلالة .
كما أن وقت الإسراء كان ليلا، وهذا مانع آخر من الرؤية.
بل أن النبي ﷺ ميَّز حتى لون التراب رغم ظلام الليل، فقال (عند الكثيب الأحمر)
وبعد ذلك، رأى ما تحت التراب، حيث رأى موسى يصلي داخل القبر .
إنها معجزة بكل المقاييس ..

3- في نفس الليلة التي رأى رسول الله فيها موسى عليهما الصلاة والسلام في قبره في الأرض، رآه في المسجد الأقصى حين صلى بالأنبياء إماما، وبنفس الوقت رآه في السماء السادسة .. وهذا من معاني الحياة الملكوتية السرمدية التي يعيشها الأنبياء، والتي لا يمكن للعقل أن يدركها .


في حديث الإسراء والمعراج الذي يرويه الشيخان عن أنس بن مالك يُحَدّث به عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنهما عن النبي ﷺ جاء فيه :

هذا الحديث فيه عبرة عظيمة، فكم من أناس فقدناهم، تحل أرواحهم الآن عن يمين آدم عليه السلام، في العالم العُلوي، وهي تنعم بالعيش الرغيد السرمدي، في عالم الأنوار والنعيم المُقيم، لا تشكو هَمَّا ولا ضيما.

وكم من أناس فقدناهم، يحلون الآن عن يسار آدم عليه السلام؟ في العالم السفلي، حيث الظلام والعذاب، والويل والثبور ..

هذان المصيران ينتظراننا، وسنكون في أحدهما بحسب أعمالنا ..

سنصلهما بمجرد الموت، تلك الساعة التي تباغتنا ولا نعرف متى تحل، لكننا نعرف بانها ستحل ..


أفضل الخلق على الإطلاق هو خاتم النبيين محمد، يليه أبو الأنبياء إبراهيم، عليهما الصلاة والسلام.
وقد التقى العظيمان في السماء السابعة، فماذا دار بينهما؟

قال رسول الله ﷺ :
(مررت بإبراهيم فقال: مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح، قلت من هذا؟ قال: هذا إبراهيم) رواه البخاري ومسلم.

وفي رواية أخرى:
(فقال إبراهيم عليه السلام: يا محمد، أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر)
رواه الترمذي وحسنه، كذلك حسنه الحافظ ابن حجر.

فنقول وبالله التوفيق:

قال سيدنا الخليل: (أقرئ أمتك مني السلام)
فنرد ونقول: وعليكم السلام سيدنا يا خليل الرحمن، ورحمة الله وبركاته.

ثم لننظر إلى كلمة خليل الرحمن عليه السلام، حيث وصف الجنة بأنها (قيعان) وهي جمع (قاع) ومعناها، الأرض المستوية.
فالجنة أرض مستوية، ونحن نبني قصورها، ونغرس أشجارها، بأعمالنا الصالحة.
ولذلك قال سيدنا الخليل عليه السلام: (طيبة التربة) والتربة الطيبة هي تربة سريعة الإنبات، فكذلك الجنة، فإنك بأي عمل صالح تعمله، ستضع فيها شيئا من النعيم.
وقد ذكر أبو الأنبياء عليه السلام نوعا من انواع أسباب غرس الأشجار والثمار، فقال: (وأن غراسها سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر) أي ان التسبيح يُنبت غراس أرضك في الجنة.

وكذلك من صلى الضحى بنى الله له بيتا في الجنة، ومن صلى النوافل ايضا، ومن حمد الله عند المصيبة وغيرها من الأعمال ..

فجنتك قيعان، وأنت تغرسها وأنت تبنيها، فالدنيا مزرعة الآخرة ..

فيا ايها العبد، اعمل صالحا، فتلك هي دار المنافسة (وفي ذلك فليتنافس المتنافسون) .
واحرص على بناء جنتك، كثر من الأعمال الصالحة، لتكثر فيها القصور والحور والولدان والغرس والينابيع، واجعلها مُلكا عظيما، فعيشك فيها أبدي..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *