[blogdescription]

✍️ د. جلال بالشيخ

من خلال دراستي الأكاديمية في مرحلة الماجستير في تخصص الحوار بين الثقافات والعلاقات الدولية (2005م)، حاولت أن أنظر بعين الناقد إلى العلاقات بين الطلبة العرب ونظرائهم من باقي الدول الأوروبية. كنت دائمًا أحاول أن أجد تفسيرًا لما يحدث من عدم تفاهم وتوقف للعلاقات بين الطلاب العرب وزملائهم الغربيين. ومعظم ما توصلت إليه كان نتيجة الاختلاف بين هذه الثقافات المتداخلة في بيئة تعليمية واحدة (الجامعة).

واليوم مرة أخرى أرى ذلك يحدث مع الطلبة “الأجانب” في البيئة الجامعية العربية، وأحاول في هذه الأسطر أن أضع تفسيرًا لما يحدث في هذه العلاقات بين أساتذتنا وطلابنا، والتي ربما بدأ بعضها يصل إلى بداية طريق الانهيار.

أحاول في هذه الأسطر أن أضع ما خبرته بين أيديكم، لعلّ هذه الخبرة التعليمية والحياتية تضيف ولو الشيء القليل إلى فن التعامل الأكاديمي الذي تتمتعون به وتتعاملون به.

الاختلاف بين الثقافات، وخاصة في التواصل، موجود، وقد كُتبت فيه الكثير من المقالات الأكاديمية، وأجريت العديد من اللقاءات التلفزيونية لمواقف واقعية بين سياسيين وأكاديميين وفنانين وقعوا في فخ عدم فهم الاختلافات الثقافية فيما بينهم.

وحسب ما عاينته في مؤسستي التعليمية، هناك أربعة مجالات يمكنني الإشارة إليها. أولها ما يواجهه بعض هؤلاء الطلاب، وهو الاختلاف في مفهوم (مسافة السلطة) أو ما يُعرف بـ Power Distance، وهو مبدأ يشير إلى مدى قبول التفاوت في المكانة بين المعلم والطالب. من المعروف أن هذه المسافة في العالم العربي أو ربما الإسلامي ككل كبيرة، ولا يزال يُنظر إلى الأستاذ على أنه صاحب السلطة العلمية والأدبية التي يجب احترامها دون نقاش.

من ناحية أخرى، نرى أن هذه المسافة غالبًا ما تكون منخفضة، إذ يُنظر إلى المعلم في البيئة الغربية كشريك في العملية التعليمية، وتشجع هذه العلاقة المفتوحة بين المدرس والطالب على الحوار والنقاش، بل أحيانًا يُسمح للطالب بانتقاد الأفكار التي يطرحها الأستاذ ومناقشتها، وقد تصل أحيانا إلى حد الرفض من قبل الطالب.
وهذا الاختلاف – في مسافة السلطة – يجعل بعض الطلاب العائدين من بيئة فردية غربية يشعرون بالتقيّد داخل الصف العربي، لذلك يُفسَّر سلوكهم الحواري على أنه قلة احترام، في حين يرونه هم أنفسهم دليلًا على التفكير المستقل والاعتماد على النفس، وهذا شيء إيجابي بالنسبة لهم… ولكن!

هذا يأخذنا إلى فكرة “الاحترام” بين المدرس والطالب. ففي الثقافة الغربية يُعبَّر عن الاحترام من خلال الصدق والمساواة والصراحة في الحوار، إلا أنه في الثقافة العربية يرتبط أكثر بالهيبة والسلوك أثناء الكلام، وعدم مجادلة المعلمين والكبار بشكل عام. ومن هذا الاختلاف في فهم معنى “الاحترام” والتعبير عنه يقع سوء الفهم بين الطرفين؛ فقد يرى الأستاذ أن الطالب الجريء قليل الأدب، وفي الوقت نفسه يشعر الطالب بأن البيئة تقمع فكره أو لا تحترم استقلاليته.

وأيضًا، ومن خلال ما عايشته مع أحد المدرسين في بيئة جامعية، مثال واضح عن مفهوم الجماعية والفردية؛ حيث يرى الطالب أو الطالبة حقها في الخصوصية والتعبير عن مشاكلها بمعزل عن الجماعة، إلا أن الأستاذأو الاستاذة ذات الخلفية الجماعية ترى أن النقاش يجب أن يكون أمام الجميع لأننا وحدة واحدة ولا نخفي عن بعضنا شيئًا.

هنا، في البيئة العربية، القيم الجماعية هي السائدة، حيث نتوقع من الطلاب التعاون والالتزام بالنظام العام واحترام رأي الجماعة، على العكس مما في البيئة الغربية التي تشجع الفردية، إذ يُقدَّر الطالب الذي يبادر ويفكر بشكل مستقل ويعبّر عن رأيه الشخصي وبشكل خاص.

ومن التحديات التي تواجه كلًّا من المدرس العربي والطالب غير العربي أو العربي العائد من بيئة مختلفة هي طريقة التواصل. ففي الغرب تُبنى الدروس على النقاش والمشاركة، بينما في بيئتنا العربية يكون التعليم غالبًا مبنيًا على التلقين والمحاضرة (رغم محاولات التغيير المستمرة، إلا أن الواقع بعيد عن المطلوب). مما يقلل من فرص الحوار للطالب الذي تعوّد على النقاش، وهذا التغيير قد يشعره بالملل أو الإحباط.

إن تجربة العودة إلى الدراسة في بيئة تعليمية عربية بعد قضاء فترة كافية في بيئة غربية ليست مجرد تجربة أكاديمية جديدة، بل تجربة ثقافية جديدة تتطلب من المؤسسة، والأستاذ، وأولياء الأمور، والطالب نفسه وعيًا بهذه الاختلافات الثقافية، والتي يمكن أن نلخصها في:
مسافة السلطة – الاحترام – مفهوم الجماعية والفردية.
وهذا يتطلب من الجميع التفاهم المتبادل، والانفتاح على أنماط جديدة في التواصل، وتبني طرق تدريس حديثة.

وفي الختام، يجب النظر إلى هذه الفروق على أنها مصدر ثراء وتكامل في بيئة تعليمية جديدة، بدلًا من أن تكون مصدر صراع بين الثقافات.

3 Responses

  1. أصبت القول دكتور. علاقة الطالب بالاستاذ في المجتمعات الشرقية عموما تحدها كثير من القيود اذا ما قارناها بتلك في المجتمعات الغربية. الامر الذي اثر في طريقة التدريس ووضع المناهج الدراسية. و يعود ذلك في نظري الى مكانة الاستاذ في نظر الطلاب و الطالبات في مجتمعاتنا (و لاحظت ذلك أيضا في دول جنوب شرق آسيا) على انه وصي ومربي و قدوة وصاحب نفوذ ادبي و ليس مجرد معلم. شخصيا لا ارى غضاضة في اشراك الطلاب و الطالبات في الحوار و النقاش اثناء المحاضرات بل ينبغي تشجيعهم على ذلك لتنمية مهاراتهم في التفكير النقدي و زيادة ثقتهم في انفسهم مع التحلي بالآداب الحسنة.

  2. السلام عليكم
    المجتمعات العلمية هي المجتمعات التي تتشارك وتتبادل المعرفة. ولا اوافق التوصيف بانها مجتمعات تشجع الفردية.
    لكم كل التقدير والاحترام وتبقى التساؤلات معلقة الى حين

  3. يمكن ايضا من خلال تعزيز مهارات التواصل بين الأساتذة والطلاب ان يساعد هذا كثيرا في تجاوز بعض الفروق الثقافية وتحويلها إلى فرصة للتعلم المتبادل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *