[blogdescription]

✍️ د. وليد الحسيني


المفاضلة بين صيام شهر المحرم وصيام شعبان (دراسة فقهية مقارنة)

ثبتت أفضلية المحرم على سائر الشهور في الصيام بعد رمضان.
وثبت أن أكثر شهر كان يصوم فيه النبي صلى الله عليه وسلم بعد رمضان هو شعبان ..

فأيهما أفضل في الصيام ؟

في المسألة قولان:
القول الأول:
صيام المحرم أفضل من صيام شعبان، وهو قول الجمهور، وعليه المذاهب الأربعة.
ينظر عند الحنفية (المعتصر من المختصر للملطي: 148/1)
والمالكية (مواهب الجليل للحطاب: 319/3)
والشافعية (المجموع للنووي: 386/6)
والحنابلة (العدة شرح العمدة لبهاء الدين المقدسي: 169/1) .

القول الثاني: صيام شعبان أفضل من صيام المحرم، وبه قال بعض الحنابلة كالآجري (الفروع لابن مفلح الحنبلي: 101/5) .
واختاره ابن رجب الحنبلي في اللطائف (120)

الأدلة:

احتج الجمهور بما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل)
رواه مسلم .
وهذا الحديث صريح في أن شهر المحرم هو أفضل الشهور في الصوم بعد رمضان.

واحتج أصحاب القول الثاني بما ورد عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يصوم شهرا أكثر من شعبان، فإنه كان يصوم شعبان كله) رواه البخاري.
وفي صحيح مسلم عنها رضي الله عنها: (ولم أره صائما من شهر قط أكثر من صيامه من شعبان، كان يصوم شعبان كله، كان يصوم شعبان إلا قليلا) 

وقد يسأل سائل: إذا كان شهر المحرم أفضل من سائر الشهور فلماذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم من شعبان أكثر منه، كما في حديث عائشة الذي ذكرناه؟
وإذا كان شعبان أفضل في الصيام لماذا لم يرد في أفضليته على المحرم حديث؟ بل حديث فضل المحرم صريح في أفضليته عليه وعلى غيره إلا رمضان ..

أجاب على ذلك الإمام النووي رحمه الله، حيث رفع التعارض وأزال الإشكال في شرحه على صحيح مسلم، قال :
(لعله لم يشرع فضل المحرم إلا في اّخر حياته صلى الله عليه وسلم ، قبل التمكن من صومه، أو لعله كان يعرض فيه أعذار تمنع من إكثار الصوم فيه، كسفر أو مرض) شرح النووي على مسلم (37/8)
انتهى كلامه بتصرف .

وهذه وجوه حسنة، فأما الوجه الأول فيعني أنه في بداية الامر كان صلى الله عليه وسلم يصوم شعبان لأفضليته، ثم نسخ في اخر حياته بأفضلية المحرم ..

وأما الوجه الثاني فحسن أيضا، فالمحرم اسوغ للسفر ونحوه من شعبان، لأن شعبان بوابة رمضان وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقلل فيه السفر استعدادا لرمضان ..

وأما حديث فضل المحرم على ما سوى رمضان فصريح وهو نص في محل النزاع، وهو حجة على من يقول بخلافه.

واحتج القائلون بأفضلية شعبان أيضا بأن شعبان ينزل منزلة الراتبة قبل الفريضة، وصوم المحرم ينزل منزلة النفل المطلق، ومنزلة الراتبة أفضل من منزلة المطلق .

ويجاب عليه بأن هذا القياس ضعيف، لأنه لا وجه لقياس الصوم على الصلاة في النوافل الرواتب والمطلقة، وبلا هذا فإن هذا القياس يواجهه النص الصريح فيبطله. إذ لا قياس في معرض النص.

وذكر ابن رجب أن صيام شعبان متعلق بصيام رمضان قبله، كتعلق الست من شوال برمضان بعده (اللطائف/ 34)
ويجاب عليه بأن التحاق الست من شوال ورد بالنص، وذلك في حديث مسلم عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال فكانما صام الدهر)
ولم يرد أن صيام شعبان متصل بصيام رمضان .

ومما يرجح أفضلية صيام المحرم أن فيه يوم عاشوراء، الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (صيام يوم عاشوراء، إِني أحتسب على الله أن يُكَفِّرَ السنة التي قبله) رواه مسلم.
ولا يوجد يوم في شعبان يحمل هذه الخصيصة.

ومما يرجحه أيضا وجود النهي لصيام النصف الثاني من شعبان، فيما رواه الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا انتصف شعبان فلا تصوموا) وفي معنى هذا النهي تفصيل، وفيه خلاف، وليس هنا محلهما.

وفي شعبان أيضا يوم الشك الذي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صومه بقوله: (لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين إلا أن يكون رجل كان يصوم صومه فليصم ذلك اليوم) رواه البخاري.
وقول عمار بن ياسر رضي الله عنه: (من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم) رواه أصحاب السنن، ورواه البخاري تعليقا.

بينما لا نجد يوما من أيام شهر المحرم منهيا عن صومه .

كما ان نسبة شهر المحرم الى الله تعالى في الحديث (شهر الله) تعطيه أفضلية أخرى .
فالراجح هو قول الجمهور بأفضلية صيام المحرم على شعبان والله أعلم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *