
✍️ د. جلال بالشيخ

كتب جورج أورويل سنة 1946 مقالة بعنوان “السياسة واللغة الإنجليزية“، سلّط فيها الضوء على الخفايا الخبيثة في استخدام لغة معينة في السياسة لإفساد الفكر. فيقول: “كلما كانت الكتابة كسولة وغير واضحة وفوضوية، جعلت التفكير كسولًا وغير واضح وفوضويًا”. وهنا يكمن الداء، إذ عندما لا يفكر الإنسان بشكل واضح ومنطقي، يسهل خداعه وابتزازه وتبرير أي انتهاكات تُمارس ضده.
وقد كتب أورويل مقالته أثناء الحقبة الستالينية، مُشيرًا إلى أن اللغة المستخدمة آنذاك كانت تُستعمل عمدًا لتبرير الأكاذيب، وتجميل القتل، وتحويل الحقائق إلى مجرد “هواء فارغ”. وفكرة أورويل الأساسية هي أن لغتنا — ويقصد الإنجليزية — في انحدار، وأن هذا الانحدار كان سببًا ونتيجة في آن واحد للفوضى السياسية السائدة آنذاك. وأتساءل هنا: ألا ينطبق هذا على حالنا العربي والإسلامي اليوم؟!
لا شك أن حال اللغة العربية بين عامة الناس متدهور إلى أبعد الحدود، من كثرة اللهجات وضحالة التعبير الكتابي. أما اللغة في السياسة، فحدّث ولا حرج.
حلّل أورويل تلك اللغة المستعملة في ذلك الوقت في الكتابة أو في الإعلام إلى ثلاثة أنواع:
“الاستعارات الميتة“، وهي تلك الاستعارات(العبارات) التي فقدت قوتها التصويرية وبالتالي فقدت تأثيرها، والتي يستخدمها الكاتب بقصد أو بدون قصد، ولا يريد استبدالها بعبارات جديدة تحمل المعنى أو الحقيقة بشكل أفضل. ويرى أورويل أن هذا النوع من الكتّاب لا يبصرون ولا يفكرون، بل يضطرون إلى استخدام قوالب لغوية جاهزة ومصنّفة، وربما تكون ميتة أصلًا فيحاولون إحياءها. ومن أمثلة هذه التعابير في خطابنا العربي: “المصالحة الوطنية” – “المفاوضات من أجل حل الدولتين” – “عملية السلام” – “الانقسام السياسي” – “ندين ونستنكر” – “إعادة الإعمار”.
ومن هذا الاستخدام لمثل هذه العبارات ينقلنا أورويل إلى النقطة الثانية، وهي “الألفاظ المتكلفة“، وتعني ببساطة استخدام الكلمات الكبيرة أو العبارات الأجنبية لجعل الأفكار البسيطة تبدو عميقة، بينما يعكس الواقع- أحيانا- عكس ذلك تمامًا. وهذا قد يكون لعجز الكاتب أو المتحدث على إيجاد المفردات القوية المعبّرة عن فكرته، أو يكون متعمدا ليُخفّف من وضوح المعنى أمام بعض المستمعين، وهو ما يُعرف في اللغة بـ (Trans language). وبهذا يتم الخداع فيقتنع صاحب الفكر الفوضوي بالعنف والقتل .
وفي النقطة الأخيرة من مقال أورويل، وهي “الكلمات عديمة المعنى“، يشير إلى كلمات مثل “الديمقراطية” و”الحرية” و”العدالة” ، والتي أصبحت في كثير من السياقات خالية من المعنى ولا تشير إلى شيء محدد. وقد ضرب مثالًا على ذلك فقال : “تُقصف القرى من الجو، ويُهجّر سكانها إلى الريف، وتُطلق النيران على الماشية، وتُحرق الأكواخ…” — ويسمّى هذا “إحلال السلام”. وعبارة “إحلال السلام” هنا تبدو بريئة وذات معنى عميق، لكنها لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تُظهر صورة ذلك القصف أو الناس الذين يصرخون ، أو البيوت التي تحترق. وما أحداث غزة علينا ببعيد، واستخدام أمثال تلك العبارات والمبررات للقتل والحرق والتدمير والتشريد أثناء الحرب في غزة.
وبهذه اللغة يستطيع الكاتب والمتحدث والمستمع أن يتجنّبوا مواجهة الواقع المرعب لذلك الفعل، فيصبح “إحلال السلام” ستارًا يحجب الحقيقة والقيم الإنسانية التي ترفض ذلك الفعل. وللأسف، أصبح هذا الستار اليوم سميكًا جدًا، ونحن غارقون في حالة التيه والفوضى هذه، نسمع يوميًا – في إعلامنا، ومن مثقفينا، وعامتنا – كمًّا هائلًا من هذه المفردات والعبارات في قضايانا اليومية والمصيرية، مما يساهم في تشكيل عقول ممسوخة فوضوية، تتشرّب ما يُسقى لها من غير أن تبحث عن مصدر ذلك السم. وكم من سمٍّ وُضع على موائدنا، واستمتعنا بأكله!
وتبقى كلمة الحقيقة خالية من السم، لكنها بعيدة المنال… غالية الثمن.
ومع “إحلال السلام”، نختم مقالنا هذا عليكم السلام.
