

✍️ د. ونيس المبروك
أيها الكرام،
في موضوع المسح على الجورب وغيره من القضايا الفقهية التي يتكرر الجدل حولها ، هذه الخلاصات تفيد مَنْ غايتُه المعرفة لا اللجاج والجدل.
أولاً: شريعتنا الغرَّاء فيها أحكام قطعية، وأحكام ظنّيّة … هكذا هي “طبيعة الدين” ولا يملك عبدٌ تغيير هذه الطبيعة مهما حرص، وكل قضايا الخلاف الفقهي المُعتبر هي في منطقة الأحكام الظنية، سواء جاءت عن طريق خبر آحاد أو كان نصّها اللغوي حمّال أوجه معتبرة … ولهذا لا يمكن حسمها والقطع بترجيح الصواب فيها، ولو نُصِبَت لها المجامعُ الفقهية، ومن الغلو والتشدد وضيق الأفق، وصفُ المخالف بالابتداع، أو حث الناس على ترك الصلاة خلفه وإعادة الصلاة، فهذا المسلك هو الابتداع “المنهجي” بعينه.
ثانياً: ليس مطلوباً من العالِم أو الفقيه “إقناع الناس” فهذا مطلبٌ معطوبٌ قد تخالطه شهوة الانتصار للنفس وغيرها من الآفات، ولكن المطلوب من العالِم والفقيه أن يُدلي برأيه ويطرح الأدلة التي أقنعت عقلَهُ وطمأنت قلبَهُ، دونما تعنٌّت لرأيه أو انتقاصٍ لغيره، وليُحسن الظن بتدين الآخرين وحرصهم على الإصابة.
ثالثاً: المسلمون من جهة إدارك مُراد الله تعالى ومعرفة أحكامه الشرعية على طبقات ومراتب؛ فهناك غير المختص أو “العامّي” وهناك العالم والفقيه، ولكن هناك مرتبة بينهما وهم طلبة العلم والباحثين والمثقفين، والله تعالى لم يكلف الناس فوق وسعهم فيما كسبت أجسادهم وعقولهم، ومن سماحة التشريع أن طلب الله تعالى من العالِم بذل الوسع في معرفة الحكم وكَتَبَ لهُ الأجرَ مع الخطأ والأجرين مع الصواب، وطلب من العامّي سؤال العالم والفقيه، فإن أخذ بقوله وقلَّدَهُ فإن عبادته عند الله صحيحة بالإجماع ولا يليق به الإنكار على غيره …ثم تَرَكَ مجالا للباحثين وطلبة العلم لفحص الأدلة وتقليبها ومقارنتها، شريطة الانضباط بمنهج الاستدلال وإخلاص القصد وأدب الاختلاف.
رابعاً: لكل بابٍ من أبواب الشريعة خصائص وطبائع، فمِن أبوابها ما بُنيَ على الأحوط وسد الذرائع والاستدلال بالقَطعِ، كبابِ العقيدة وحقائق الإيمان، ومنها ما بُني على التوسعة؛ كبابِ الطهارة والذبائح والألبسة ونحوها، ومنها ما بُني على المُشاحّة والتورع كباب حقوق العباد من أموال وأعراض، ومن لم يعرف هذه الطبائع فاتته ملكة الفقه، وجَنَحَ للتثبيج !!!ومن يُتابع اختياراتي الفقهية يعلم جيدا أني لا أفتي بالأحوط بل بالأيسر المُعتبر، ولا أُفتي بالوَرَعِ بل بحدود الشرع، وأُراعي كل مذهبٍ سائدٍ في بلدٍ، ولكن لا أحصر نفسي في مذهبٍ واحدٍ مادامت الشريعة أرحب وأروح، فَمَن اطمأن لهذا النهج فليأخذ بثماره، ومن ارتاب وتحيّر، فليأخذ بما استقام في عقله واطمئن له قلبه، والله تعالى أعلى وأجل من أن يُحاسِب الناسَ على قضايا الظن بعد أن بذلوا وسعهم.
أخيراً: جُل قضايا الفقه من الظنيات، ولكن قواطع الشريعة هي تحريم الشقاق والبغضاء والتنابذ والتدابر والنميمة والسخرية والتعالِي على الناس وسوء الظن بمقاصدهم، فبالله عليكم لا تُفرطوا في قواطع الدين وثوابته من أجل قضايا ظنية، ومن التدين المغشوش أن نجعل من قضايا الخلاف السائغ مادةً للهَجر والشقاق والتدابر والتنابذ … فمَن ضيّع الثوابت بسبب تعصُبه لأحكام ظنية فقد عصى اللهَ تعالى وإن خدعته نفسه وأفتاه المُفتون.
هذه بعض الخواطر حول تدبير الخلاف الفقهي، لعلكم تجدون فيها نفعا.
