

✍️ د. ونيس المبروك
كان المفكّرُ الإسلاميُّ مالكُ بنُ نبيٍّ، رحمه اللهُ، من أوائلِ مَن طرحَ مصطلحَ «القابليّةِ للاستعمارِ» في كتابِهِ المهمِّ: شروطُ النهضةِ.

و”القابليّةُ للاستعمارِ” عند مالكٍ، رحمه اللهُ، تعني أنّ العدوَّ المحتلَّ المستعمرَ لا ينجحُ في احتلالِ الأرضِ، واستعبادِ أهلِها، والهيمنةِ على مقدّراتِها، إلا إذا وجدَ في داخلِها ضعفًا اجتماعيًّا، وهشاشةً ثقافيّةً، وهزيمةً نفسيّةً.
وقد بنى مالكُ بنُ نبيٍّ، رحمه اللهُ، نظريّتَهُ في النهوضِ على تغييرِ هذه القابليّةِ، والعملِ على الارتقاءِ بالفردِ والمجتمعِ عبر معادلتِهِ المشهورةِ التي تتكوّنُ من أربعةِ أركانٍ، هي: الإنسانُ + الترابُ + الوقتُ + الفكرةُ الدافعةُ.
ولا بأس من استعارةُ المصطلحِ وتوسيعُ رواقِ دلالتِهِ، ليشملَ «قابليّاتٍ» أخرى، وإن كانت فرعًا عن الهشاشةِ والضعفِ النفسيِّ والثقافيِّ والاجتماعيِّ.
ومن هذه القابليّاتِ التي عشتُها، وسبرتُ غورَها، وعجمتُ عودَها: القابليّةُ «للتشظّي».
فبعض المسلمين في عصرِنا الراهنِ ـ حسبَ تقديري ـ لديهم “القابليّةُ للتشظي” والتفرق،
ويمكنُ أن ترى هذه «القابليّةَ» في الأرحامِ، والأحزابِ، والطوائفِ، والجماعاتِ، بل حتّى الدولِ!
وكلُ ما نحتاجه هو قْدْرٌ من الشجاعةِ والصدقِ، كي نعترفَ بأنّ أزماتِ التجمعاتِ التي ذكرتُها آنفًا، لا تكمنُ في وجودِ اختلافٍ معرفيٍّ، أو تباينٍ في المواقفِ والتدابيرِ، أو تنوّعٍ في الرؤى والوسائلِ؛ بل تعودُ أزمتُنا الحقيقيّةُ إلى بنيةٍ تربويّةٍ وثقافيّةٍ، ونشأةٍ قبليّةٍ مجتمعيّةٍ، تجعلُ هذه التجمعاتِ تفترقُ عند أوّلِ اختلافٍ، فيكونُ تعدّدُ الاجتهادِ وقودًا للقطيعةِ، والمُراجعات تمردا على النظام، وتنقلبُ الاجتهادات إلى هُويات صُلبة هي مَناط الموالاة، ويصيرُ التنوّعُ المشروعُ منشارًا لاستبعادِ أطرافِ الجسدِ المُنهَكِ أو بترِها. !
وممّا يزيدُ الحبلَ عُقدة، والطينَ بِلّة، ويجعلُ المرضَ يتأبّى على استقبالِ العلاجِ، بخاصّةٍ في البيئةِ العربيّةِ والمشرقيّةِ، ما نقومُ به من خداعٍ نفسيٍّ، حين نضعُ شعاراتٍ ومصطلحاتٍ «تبرّرُ» هذا التشظّي، وتُجمّلُ وجهَهُ القبيحَ، وتُطبّعُ معهُ، حتّى نتطبّعَ بهِ!
فالاختلافاتُ بين الناسِ تبدأُ من «مستصغرِ الشررِ» الذي تنبو عنه عينُ الناظرِ، ولو حفرتَ قليلًا تحت سطحِ تربةِ النزاعِ، لوجدتَ أنّ سببَهُ الحقيقيَّ يعودُ إلى ضيقِ صدرٍ، أو ضيقِ أفقٍ، أو هُما معًا!
وقد يعودُ إلى وشايةٍ من مُغْرِضٍ معلولٍ، أو نقلٍ يفتقرُ إلى الأمانةِ، أو سوءِ ظنٍّ في تفسيرِ موقفٍ، أو خلافٍ إداريٍّ يرتدي القداسةَ بعباءةِ الدينِ، أو مصلحةِ الدعوةِ، أو حمايةِ الوطنِ.
بعضُ الوسائلِ الشرعيّةِ التي كان أهمُّ سببٍ لميلادِها واستحداثِها، ضمُّ أكبرِ قدرٍ ممكنٍ من المصلحينَ على البرِّ والتقوى، والحقِّ والخيرِ، ونفعِ الناسِ؛ تعجزُ اليومَ – مع قابليّتِنا للتشظّي – عن جمعِ أبناءِ المدرسةِ الواحدةِ على مشروعٍ واسع، أو ميثاقٍ جامعٍ، أو على أقلِّ تقديرٍ: «أدبٍ» حافظٍ!
عادةً ما يبدأُ التشظّي حين تضعُف أو تغيبُ الفكرةُ الجامعةُ، ويقوى سلطانُ الأشخاصِ والكياناتِ؛ فتصيرُ الطائفةُ أكبرَ من الأمّةِ، والمذهبُ أكبرَ من الشريعةِ، والجماعةُ أكبرَ من المجتمعِ، والشيخُ أكبرَ من العلمِ، والوسائلُ أكبرَ من مقاصدِها…؛ فعندئذٍ يبدأُ المرضُ، وإن تأخّرتْ أعراضُهُ.
لعلَّ ما يحدثُ في عالمِنا الإسلاميِّ اليومَ هو إرهاصاتٌ حقيقيّةٌ لميلادِ جيلٍ جديدٍ، ينتفعُ من خبراتِ السابقينَ وتجاربِهم، ولا يكرّرُ أخطاءَهم، ويُجدّدُ في الوسائلِ والأفكارِ والمشاريعِ، شريطةَ أن يتّجهَ إلى النشءِ الصغيرِ، وألّا يبدّدَ وقتَهُ، أو يحرقَ أعصابَهُ مع الكبارِ، وأن يدعَهم يمارسونَ هوايتَهم في التفرّقِ والتشظّي؛ لأنّ:
الغصونُ إذا قوّمتَها قامتْ
ولن يلينَ إذا قوّمتَهُ الخشبُ
