

✍️ د. ونيس المبروك
ليستْ أكبرُ مشكلاتِ طالبِ العلمِ أن يقعَ في بعضِ الأفكارِ الخاطئةِ؛ فذلكَ أمرٌ لا يكاد ينجو منهُ بشرٌ، ولا يسلمُ منهُ مجتهدٌ أو متعلِّمٌ. وقديمًا قيلَ: مَن ذا الذي ما ساءَ قطُّ ومَن لهُ الحُسنى فقطْ؟
لكنَّ الخطرَ الأشد ، والداءَ العضال ، في اضطرابِ آلةِ التفكيرِ نفسِها. فالفكرةُ الخاطئةُ قد تُراجعُ فتُصحَّحُ، وقد تُنقَّحُ فتستقيمُ، أمَّا إذا اختلَّ نظامُ التفكيرِ، وفسدَ الميزانُ الذي تُوزَنُ بهِ الأقوالُ، صارَ الإنسانُ يتقلَّبُ بينَ الأخطاءِ من غيرِ بصيرةٍ، وينتقلُ من وهمٍ إلى وهمٍ، ومن ظن إلى ظن وهو يحسب أنه يحسن صنعا.
إنَّ من أعظمِ ما ينبغي أن يُحذَّرَ منهُ طالبُ العلمِ أن يُربَّى على تلقِّي الأقوالِ أكثرَ من تربيتِهِ على فهمِ طرائقِ النظرِ فيها، وأن يُعوَّدَ حفظَ الأجوبةِ قبلَ تعلُّمِ كيفيَّةِ بناءِ الجوابِ، وأن يُلقَّنَ النتائجَ قبلَ أن يُدرَّبَ على مناهجِ الوصولِ إليها. وهنا يبدأُ الخللُ الحقيقيُّ.
فكم من طالبِ علمٍ امتلأت ذاكرته بالنصوص والأقوال لكنَّهُ لا يملك من أدواتِ النظرِ، وملكةِ التمييزِ، ما يجعلهُ قادرًا على وضعِ كلِّ قولٍ في موضعِهِ، وكلِّ دليلٍ في رتبتهِ، وكلِّ مسألةٍ في سياقِها. فإذا عرضتْ لهُ شبهةٌ اضطربَ، وإذا سمعَ دعوى تشربها دون تمحيص، وإذا وردتْ عليهِ إشاعةٌ امتصها قلبه، وإذا أحبَّ شخصًا قبلَ قولَهُ بلا بينه ولا برهان ، وإذا أبغضَ آخرَ ردَّ كلامه بلا إنصافٍ. بعضَ البيئاتِ التعليميَّةِ ربَّتْ أبناءَها على مسلك مضطرب؛ فتوهمُهم أنَّ من تمامِ التسليمِ تركَ السؤالِ، ومن كمالِ الأدبِ تعطيلَ النقدِ، ومن حسنِ الظنِّ بأهلِ العلمِ تعطيلَ النظرِ في أقوالِهم، ومن تعظيمِ النصِّ الوقوفَ عند ظاهرِه دونَ فقهٍ لمعناهُ، أو نظرٍ في سياقِه، أو جمعٍ بينهُ وبينَ سائرِ النصوصِ، أو ردٍّ لهُ إلى مقاصدِ الشريعةِ وكليَّاتِها. وهذا من أخطرِ ما يفسدُ طالبَ العلمِ.
فإنَّ الوقوفَ عند ظواهرِ النصوصِ من غيرِ فقهٍ لعللِها، ولا بصرٍ بمقاصدِها، ولا معرفةٍ بوجوهِ الجمعِ بينها، قد يحوِّلُ النصَّ من نورٍ يهدي، إلى أداةٍ للاضطرابِ وسوءِ الفهمِ. وليسَ التعظيمُ الحقُّ للنصِّ أن يُجتزَأ من سياقِهِ، أو يُنزَلَ في غيرِ محلِّهِ، أو يُقدَّمَ على وجهٍ يصادمُ محكماتِ الشريعةِ وروحَها العامةِ.
إنَّ النصوصَ الشرعيَّةَ لا تُفهمُ فهمًا سليمًا إلا بعقلٍ منضبطٍ، ونظرٍ سويٍّ يعرفُ مراتبَ الأدلةِ، ودلالاتِ الألفاظِ، وسياقاتِ الخطابِ، ومآلاتِ التنزيلِ.
فالعقلُ في الإسلامِ خصمًا للوحيِ، بل أداة الفهمِ والتلقِّي، ومناطَ التكليفِ والتشريفِ. وما خوطبَ الإنسانُ في القرآنِ الكريمِ وأمره ربه بالنظرِ، والتفكُّرِ، والتدبُّرِ، والاعتبارِ، إلا لأن التفكير فريضة شرعية وضرورة بشرية.
إنَّ القرآنَ لم يربِّ المؤمنَ على التلقِّي الأعمى، بل ربَّاهُ على طلبِ البرهانِ، ومساءلةِ الدعوى، ووزنِ الأقوالِ بميزانِ الحقِّ. وهذا هو الذي جعلَ فتيةَ الكهفِ، على صِغَرِ سنِّهم، يكفرونَ بالخرافةِ، ويتمرَّدونَ على سلطانِ العادةِ، ويرفضونَ آلهةَ قومِهم؛ لأنَّ الإيمانَ عندَهم لم يكنْ مجرَّدَ ميراثٍ اجتماعيٍّ، ولا تقليدًا خاملًا، بل كانَ وعيًا يطلبُ الحجَّةَ، ولذلكَ قالوا في وضوحٍ حاسمٍ:
﴿هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً ۖ لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾.
إنَّ كثيرًا من معاهدِنا وجامعاتِنا الدينيَّةِ ما زالتْ -إلا من رحمَ اللهُ- تُحسنُ تعليمَ الأفكارِ أكثرَ من إحسانِها تعليمَ التفكيرِ. تُخرِّجُ طالبًا يعرفُ ماذا يقولُ، لكنَّهُ لا يدرك لماذا يقولُ هذا، وكيف رجَّحَهُ، وبأيِّ ميزانٍ قبلَهُ أو ردَّ غيرَهُ. فهي لا تمنحُهُ من أدواتِ التمييزِ والنقدِ ما يحميهِ من الاضطرابِ حينَ يشتدُّ الخلافُ، أو تتكاثرُ الشبهاتُ، أو تختلطُ الأصواتُ.
وهكذا يصبح عقل بعض طلبة العلم مرتعًا لكلِّ إشاعةٍ، ومستقرًّا لكلِّ خرافةٍ، ومجالًا خصبًا لكلِّ تحريفٍ مغرضٍ؛ يقبلُ الشيءَ ونقيضَهُ، ويدعو إلى فضيلةٍ ثم يكونُ أوَّلَ من يجني عليها، ويتكلَّمُ في الاتِّباعِ وهو أسيرُ الهوى، ويكثرُ من ذمِّ التقليدِ وهو مقلِّدٌ لا يرى إلا بعين شيخه، ويظنُّ نفسَهُ حرًّا وهو منقادٌ لأحكامٍ مسبقةٍ لم يُمحِّصْها، أو لصورٍ ذهنيَّةٍ زُرعتْ فيهِ ولم يُعدْ النظرَ فيها. إنَّ طالبَ العلمِ لا يكفيهِ أن يعرفَ الأقوالَ، بل لا بدَّ أن يعرفَ النظامَ الذي تُحاكَمُ إليهِ الأقوالُ، والمعيارَ الذي تُوزَنُ بهِ الأفكارُ، والميزانَ الذي يردُّ إليهِ ما يسمعُهُ من الناسِ، ولو كانوا من أحبِّ الخلقِ إليهِ، أو من أعظمِهم أثرًا في نفسِهِ.
ذلكَ أنَّ التفكيرَ الصحيحَ هو الذي يجعلُكَ تقبلُ وتردُّ، وتوافقُ وتخالفُ، وتستحسنُ وتستقبحُ، وفقَ معاييرَ برهانيَّةٍ عادلةٍ، وحينَ يبلغُ طالبُ العلمِ هذهِ المنزلةَ، يكونُ قد خطا خطوةً عظيمةً في طريقِ العبوديَّةِ الحقَّةِ؛ وعندَها يكونُ -بحقٍّ- عبدًا للهِ وحدَهُ،
