[blogdescription]

✍محمد الحريري


ثلاثُ سنواتٍ تصنعُ البالغ… ومن ضيَّعها فلا يلومنَّ إلا نفسَه.

ابدأ قبل البلوغ؛ فقناعةُ البالغ لا تُولَد فجأةً عند البلوغ، بل تُبنى قبله؛ فمن أراد الحصاد، فليعلم أن عليه أن يزرع، فالجذورُ قبلَ الثمار، والبداياتُ هي التي تصنعُ النهايات، ومن هنا كان الخطأُ الأكبر هو تأجيلُ التربية إلى البلوغ.

والدينُ لا يعمل في فراغ… والأصلُ هو قولُه ﷺ: «مُروا أولادكم بالصلاة لسبع»، ويُقاس على الصلاة الحجابُ والصيامُ وسائرُ التكاليف؛ فمن قصَّر في الأمر في الصغر، وفاتَه استعمالُ الأساليب المُرغِّبة التي تبني حبَّ الدين وتُنشِئه، فلا يلومنَّ إلا نفسَه. وذلك لأن التكليفَ الشرعيَّ عند البالغ لا يعمل في فراغٍ نفسيٍّ أو عاطفيٍّ أو معرفيٍّ، بل يحتاج إلى رصيدٍ سابقٍ من المعاني والعادات والأُلفة.

ومن غلَّب العاطفةَ على العقل فقال للطفل: «أنت صغير، وعندما تكبر تُصلّي أو تلبسين الحجاب»، فقد ضيَّع مرحلةَ التأسيس. فإذا جاء يطلب من ابنه ما كان ينبغي أن يتولّاه في الصغر، فرفض الابن، فليعلم أنه هو المتسبِّب؛ وقد قالت العرب: «الصيفَ ضيَّعتِ اللبن» لمن أضاع الفرصةَ وطلبها بعد التفريط.

من «مروا» إلى «واضربوا»… ثلاثُ سنواتٍ من التأسيس
وقبل قوله ﷺ: «واضربوهم عليها لعشر» يجب أن يكون قد أمره وعلَّمه ونصحه؛ فمثال الصلاة: من السابعة إلى العاشرة = ثلاثُ سنوات.
والأوامر = خمسُ صلوات × 365 يومًا × ثلاثُ سنوات = 5475 أمرًا تربويًا على الأقل! أي ثلاثُ سنواتٍ من المثابرة، ويسبقها قبل السابعة بيتٌ حيٌّ يرى فيه الطفلُ مظاهرَ الإسلام.
وفي ذلك دلالةٌ عظيمة على منهج الإسلام في الإقناع، ثم العادة، ثم التعزير، دون قهرٍ أو رهبةٍ أو رغبةٍ سريعة؛ لأن الشريعة لا تريد مجرد الانقياد الظاهري، بل تهدف إلى تكوين قابليةٍ نفسيةٍ وعقليةٍ للتلقّي، وهذا لا يُكتسب في لحظة بل يُبنى بالتدرّج.

كيف تُبنى القناعة الدينية؟… قبل فوات الأوان
القناعةُ الدينية عند البالغ ليست جدلًا عقليًا فحسب، بل هي تراكمٌ من: مشاهدةٍ، وممارسةٍ، وقدوةٍ، وأوامرَ متكررة، وسياقٍ يمنح التكليفَ مكانتَه؛ وهذا ما فاته من جعل كل شيءٍ مؤجَّلًا إلى ما “بعد البلوغ” دون تأسيس.

حين يبلغ ابنك… تكون المعركة قد حُسمت من قبل
فإذا بلغ الشاب، لم يكن لك عليه سلطانٌ إلا النصحُ والتوجيهُ وإنكارُ الخطأ، وقد يكون للأب الإلزامُ وتغييرُ المنكر باليد، بشرط أن يكون قد عرَّف ابنه أو ابنته وسبق بالتأسيس؛ فهو حينئذٍ صاحبُ تغييرٍ باليد.

الإقناع قبل الإلزام… قاعدةٌ تربويةٌ شرعية
فمن أراد إلزامَ البالغ، فليعلم أن الإلزام يبدأ قبل ذلك بسنواتٍ طويلةٍ من الإقناع؛ لأن الشريعة لا تنظر إلى الطفل على أنه مستقبَل بالغ فقط، بل بوصفه (مشروعًا يُبنى)، وإذا فاتت مرحلةُ البناء فلا يُلام إلا من فوَّتها.

One Response

  1. نعم … التربية في الإسلام تأسيسية وعقلانية وتراكمية، وليست فجائية عند البلوغ؛ ولذلك يصعب نفي هذا الجانب العقلي والتربوي في الشريعة…
    و هذا ايضا ينطبق على جوانب عديدة في حياتنا اليومية لو نظرنا إليها من منظور شرعي …
    جزاك الله كل خير أ. محمد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *