
✍️ د. وليد الحسيني

قصيدة (البردة النبوية) للشيخ أبي عبد الله محمد بن سعيد البوصيري، المتوفى سنة 696 ، واسمها (الكواكب الدرية، في مدح خير البرية ﷺ)
هي من أشهر القصائد في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، وأوسعها انتشاراً، وأكثرها قبولا عند العامة والخاصة، بل قيل هي أشهر قصائد المدح في تأريخ الأدب العربي.
تلقتها الأمة بالقبول، وأوسعها الأئمة شرحاً وتحقيقاً واعتناءً.. وأثنى عليها العلماء المحققون في كل العصور.
وقد ظهرت في العصور المتأخرة اعتراضات على أبيات في البردة، وصل بعضهم إلى تضليل كاتبها، بل وصل بعضهم إلى تكفيره والعياذ بالله، بسبب فهم سقيم لبعض الأبيات، أو تعصب لرأي فيه خلاف، وهذا من فحش الخصومة.
وسأذكر بعض الاعتراضات على البردة، والرد عليها، وبالله التوفيق:
1- قول البوصيري:
يا سيد الخلق مالي من الوذ به
سواك عند حلول الحادث العمم
يقول المعترض (كيف يقول مالي من ألوذ به سواك ، أين الله تعالى؟)
الجواب:
الشيخ البوصيري رحمه الله يتكلم عن (الحادث العمم) وهو يوم القيامة حيث ثبت في حديث الشفاعة الصحيح أن الناس يوم القيامة يهرعون الى ادم يطلبون منه الشفاعة ثم الى إبراهيم ثم إلى موسى ثم إلى عيسى عليهم الصلاة والسلام، فيعتذرون جميعاً، حتى يقوم النبي صلى الله عليه وسلم يشفع، فهذا هو المقصود بقوله: (مالي من الوذ به سواك) أي لا يوجد أحد (من المخلوقين) الوذ بهو هذا هو الواضح من كلامه، كما أن اللغة تقتضي ذلك، فهو قال: (يا اكرم الخلق) نسبه الى الخلق في إشارة الى أنه لا يوجد من يلوذ به أحد سواه (من الخلق) في الحادث العمم الذي هو يوم القيامة. فكلامه هو شرح لحديث ثابت في الصحيحين.
2- ومن الاعتراضات أيضاً، اعتراضهم على قول البوصيري:
(ومن علومك علم اللوح والقلم)
قال بأن علوم اللوح والقلم غيب، والله تعالى قال للنبي صلى الله عليه وسلم (قل لا أعلم الغيب).
وأقول: ثبت في القرآن الكريم أن الله تعالى يطلع رسله على بعض الغيبيات، قال سبحانه: (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه احداً إلا من ارتضى من رسول) لذلك فلا مانع من ذلك، بل ثبت أن الله تعالى أطلع النبي صلى الله عليه وسلم على بعض الغبيات، وفي هذا من الاحاديث كثير جداً، وهذا كان يدخل في نطاق المعجزة، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يخبر الناس بأشياء سوف تحدث و قد حدثت، وهذا ثابت في الصحيحين وغيرهما، وهذا هو المقصود بعلم اللوح والقلم، لان اللوح والقلم يقصد بها القدر، فالنبي صلى الله عليه وسلم اخبرهم عن اشياء لم تحدث فحدثت، مما يدل على انه صلى الله عليه و سلم مطلع على علم اللوح والقلم، وهذا واضح ومؤيد بالأدلة، فكلام الشيخ ليس فيه غلو.
3- ومن اعتراضات: التوسل بالجاه، كقوله:
يارب بالمصطفى بلغ مقاصدنا
وقوله:
بجاه من بيته في طيبةٍ حرمٌ
فالجواب: أن التوسل بالجاه مختلف فيه، وقال جمهور المالكية والشافعية والحنابلة بجوازه، وقال بعض أهل العلم بتحريمه، فهو من مسائل الخلاف، ولا يحق لمن يرجح قولا، أن يذم من يرجح قولا خلافه، خاصة إن قال به أئمة كبار.
4- اعترضوا على قوله:
واسمه قسم من أعظم القسم
كيف يكون اسم النبي صلى الله عليه وسلم أعظم القسم؟ فيجاب على ذلك من وجهين:
الأول: لم يقل البوصيري (أعظم القسم) بل (من أعظم القسم) أي ضمن أعظم القسم، فيكون أعظم القسم هو القسم بالله، والقسم بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهذا قول الإمام أحمد، فهو يجيز القسم بالنبي صلى الله عليه وسلم، ويوجب الكفارة على من يحنث.
ثانيا: او أنه يقصد أن أعظم القسم هو ما أقسم به الله تعالى في القران، ومما أقسم به الله تعالى، أنه أقسم بعمر النبي صلى الله عليه وسلم، حيث قال: (لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون)
ولا نطيل أكثر، فباقي الكلام موجود في شروح البردة وهي كثيرة، وسنذكر بعض من شرح البردة، ليسهل الرجوع إليها :
1- الإمام الحافظ المحدث الكبير شهاب الدين احمد القسطلاني و هو صاحب كتاب ارشاد الساري في شرح البخاري وله مؤلفات اخرى من ضمنها شرح على البردة اسم الانوار المضية في شرح الكواكب الدرية.
2- الإمام الفقيه المحدث الكبير ملا علي القاري الحنفي، صاحب الكتب الكثيرة في الحديث والفقه والأصول والعقائد.
3- الإمام جلال الدين المحلي صاحب كتاب تفسير الجلالين وصاحب شرح الورقات في أصول الفقه وشرح المنهاج في الفقه وغيرها.
4- الإمام الكبير محمد بن بهادر الزركشي الشافعي، صاحب كتاب شرح مقدمه ابن الصلاح في الحديث، والبرهان في علوم القران بأربع مجلدات، و كتاب البحر المحيط وهو أكبر الكتب المؤلفة في اصول الفقه، وغيرها.
5- الإمام زين الدين خالد بن عبد الله الازهري الشافعي، الفقيه الكبير، واللغوي الشهير، صاحب شرح المنهاج في الفقه، والتصريح على التوضيح، وشرح ألفية النحو، وغيرها
6- الإمام إبراهيم الباجوري الشافعي، صاحب الحواشي والشروح الكبيرة في كل العلوم.
7- الإمام ابن هشام النحوي الحنبلي، إمام النحاة، صاحب كتاب قطر الندى وشذور الذهب وشرح الألفية ومغني اللبيب، وغيرها.
8- الإمام محمد بن احمد بن مرزوق التلمساني المالكي، صاحب كتاب مفتاح الوصول في أصول الفقه وغيره.
9- الإمام ابن العماد الحنبلي، صاحب كتاب شذرات الذهب في أخبار من ذهب، وغيره.
10- شيخ الإسلام زكريا الانصاري، صاحب المؤلفات الكثيرة جداً والشروح والحواشي في كل العلوم.
11- الإمام ابن حجر الهيتمي الشافعي، الفقيه الكبير ذو التصانيف والشروح الكبيرة الشهيرة.
12- الشيخ محمد علي ابن علان الصديقي الشافعي، صاحب المؤلفات الرائقة.
13- العلامة محمد شمس الدين ابن الصائغ، صاحب شرح ألفية بن مالك في النحو وشرح مشارق الأنوار، وغيرها
14- العلامة أحمد بن عجيبة، صاحب إيقاظ الهمم شرح الحكم، والبحر المديد تفسير القرآن المجيد، وغيرها.
وخلق سواهم كثير..
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

